محمد جمال الدين القاسمي
362
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
كما أفاده أبو السعود فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ أي لوحدانيته تعالى ، جاحدة لها ، كما أخبر عنهم ، متعجبين من ذلك بقوله : أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً ، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ ص : 5 ] ، وقال تعالى : وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ، وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ، إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [ الزمر : 45 ] ، وقوله تعالى : وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ أي عن عبادته تعالى : لا جَرَمَ أي حقا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ أي عن التوحيد ، وهم المشركون . أو عن الحق مطلقا فيتناول هؤلاء . وهذا كما قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ [ غافر : 60 ] . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 24 إلى 25 ] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 24 ) لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ( 25 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي لم ينزل شيئا . إنما هذا الذي يتلى علينا أحاديث الأولين ، استمدها منها . كما قال تعالى : وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [ الفرقان : 5 ] ، لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أي : قالوا ذلك ليحملوا أوزارهم الخاصة بهم ، وهي أوزار ضلالهم في أنفسهم ، وبعض أوزار من أضلوهم . كقوله تعالى : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ ، وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ [ العنكبوت : 13 ] ، فاللام في قوله : لِيَحْمِلُوا لام العاقبة . لأن ما ذكر مترتب على فعلهم ولا باعثا إما مجازا . وإما حقيقة ، على معنى أنه قدّر صدوره منهم ليحملوا . وقد قيل : إنها للتعليل وإنها لام أمر جازمة . والمعنى : إن ذلك متحتم عليهم . فيتم الكلام عند قوله : أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ كذا في ( العناية ) . وقوله تعالى : بِغَيْرِ عِلْمٍ قال الزمخشري : حال من المفعول : أي : من لا يعلم أنهم ضلال . وإنما وصف بالضلال واحتمال الوزر من أضلوه ، وإن لم يعلم ، لأنه كان عليه أن يبحث وينظر بعقله حتى يميز بين المحق والمبطل . فجهله لا يعذره أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ أي : ألا بئس ما يحملون . ففيه وعيد وتهديد .